الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عين المراد بالقرآن ، وحملوا سنة الأولين على معنى سنة اللّه في الأولين ، أي الأمم المكذبين الماضين ، أي فإضافة سُنَّةُ إلى الْأَوَّلِينَ مثل إضافة المصدر إلى مفعوله ، وهي عادة اللّه فيهم ، أي يعذبهم عذاب الاستيصال . وجعلوا إسناد المنع من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين ، بتقدير مضاف ، أي انتظار أن تأتيهم سنة اللّه في الأولين ، أي ويكون الكلام تهكما وتعريضا بالتهديد بحلول العذاب بالمشركين ، أي لا يؤمنون إلا عند نزول عذاب الاستيصال ، أي على معنى قوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا [ يونس : 102 ] . وجعلوا قوله : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا قسيما لقوله : إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ، فحرف ( أو ) للتقسيم ، وفعل يَأْتِيَهُمُ منصوب بالعطف على فعل أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ بالاستيصال المفاجئ أو يأتيهم العذاب مواجها لهم . وجعلوا قُبُلًا حالا من الْعَذابُ ، أي مقابلا . قال الكلبي : وهو عذاب السيف يوم بدر . ولعله يريد أنه عذاب مقابلة وجها لوجه ، أي عذاب الجلاد بالسيوف . ومعناه : أن المشركين منهم من ذاق عذاب السيف في غزوات المسلمين ، ومنهم من مات فهو يرى عذاب الآخرة . وعلى هذا التفسير الذي سلكوه ينسلخ من الآية معنى التذييل ، وتقصر على معنى التهديد . والإتيان : مجاز في الحصول في المستقبل ، لوجود ( أن ) المصدرية التي تخلص المضارع للاستقبال ، وهو استقبال نسبي فلكل أمة استقبال سنة من قبلها . والسنة : العادة المألوفة في حال من الأحوال . وإسناد منعهم الإيمان إلى إتيان سنة الأولين أو إتيان العذاب إسناد مجاز عقلي . والمراد : ما منعهم إلا سبب إتيان سنة الأولين لهم أو إتيان العذاب . وسبب ذلك هو التكبر والمكابرة والتمسك بالضلال ، أي أنه لا يوجد مانع يمنعهم الإيمان يخولهم المعذرة به ولكنهم جروا على سنن من قبلهم من الضلال . وهذا كناية عن انتفاء إيمانهم إلى أن يحل بهم أحد العذابين . وفي هذه الكناية تهديد وإنذار وتحذير وحث على المبادرة بالاستغفار من الكفر . وهو في معنى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 - 97 ] . و قُبُلًا حال من العذاب . وهو - بكسر القاف وفتح الباء - في قراءة الجمهور